محمد بن علي الشوكاني
5381
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
ذلك بترك الشكوى عند ألم البلوى لغير الله أو بترك نوع من أنواع الجزع غير ذلك . فإن قلت : فما النسبة بين معنى الحلم عند أهل اللغة ، وبين معناه على كلام صاحب التعريفات ؟ قلت : العموم والخصوص المطلق أيضا ، فإن الحلم وهو الأناة والعقل قد يكون عند سورة الغضب ، وقد يكون عند غيرها ، فإن كان المفهوم الذي ذكره صاحب التعريفات للحلم والصبر هو باعتبار الاصطلاح فلا مشاحة فيه ، وإن كان باعتبار اللغة فهو غير صحيح ولا مقبول . إذا تقرر هذا فالصور التي يقال لها صبر ( 1 ) ، ويقال لها حلم لا سؤال عنها ، لأنها تتناولها أدلة الثناء على الصبر ، وأدلة الثناء على الحلم ، كما يصدق عليها أنها حلم ، ويصدق عليها أنها صبر . وأما الصور التي هي صبر وليست بحلم ، والصور التي هي حلم وليست بصبر فكلها خصال فاضلة قد ورد الثناء عليها وعلى صاحبها في الكتاب ( 2 ) والسنة ( 3 ) . وورد الترغيب فيها ، وكثرة الثواب لفاعلها . لكن الأدلة الواردة في الترغيب في الصبر أكثر ، لا سيما في الكتاب العزيز ، فإن الآيات في ذلك كثيرة جدا لو لم يكن منها إلا قوله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( 4 ) فإنه لم يرد في جزاء الحلم وأجره ما يدل
--> ( 1 ) تقدم ذكرها . ( 2 ) منها : قال تعالى : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [ آل عمران : 134 ] . قوله تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [ الأعراف : 199 ] . وقال تعالى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] . ( 3 ) منها : ما أخرجه البخاري رقم ( 6024 ، 6356 ) ومسلم رقم ( 10 / 2165 ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله " . ( 4 ) [ الزمر : 10 ] . وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا } [ آل عمران : 200 ] . وقال تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } [ البقرة : 155 ] . وقال تعالى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [ الشورى : 43 ] . وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " . . . ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر " . أخرجه البخاري رقم ( 1469 ، 6470 ) ومسلم رقم ( 124 / 1053 ) من حديث أبي سعيد الخدري .